تنقل ميسون حفافي طرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي حول أمن البحر الأحمر، حيث يربط استقرار الممرات البحرية مباشرة باستقرار الدول المطلة عليها، ويرى أن تجاهل هذا الترابط يقود إلى اضطراب واسع في التجارة العالمية ويهدد مصالح دول المنطقة.
يوضح أتلانتيك كآونسل أن التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز أعادت تسليط الضوء على البحر الأحمر، خاصة مع تصاعد الاضطرابات في اليمن والقرن الأفريقي، ما يكشف هشاشة أحد أهم شرايين التجارة الدولية. في هذا السياق، يبرز الموقف المصري الذي يحاول تقديم نفسه كحارس للاستقرار، رغم ما يواجهه من تحديات داخلية متفاقمة.
البحر الأحمر بين الأهمية الاستراتيجية والارتباك السياسي
يؤكد عبد العاطي أن مضيق باب المندب يمثل نقطة حيوية للتجارة العالمية، حيث تنتقل أي اضطرابات فيه مباشرة إلى قناة السويس، ومنها إلى الأسواق الدولية. يعتمد الاقتصاد المصري بدرجة كبيرة على عائدات القناة، ما يجعل أي خلل في الملاحة تهديدًا مباشرًا للدخل القومي.
يكشف هذا الاعتماد المفرط خللًا هيكليًا في النموذج الاقتصادي، حيث تربط الدولة مواردها الأساسية بعوامل خارجية غير مستقرة. بدل تنويع مصادر الدخل، تستمر السياسات الاقتصادية في الاعتماد على إيرادات تقليدية، ما يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الإقليمية والدولية.
ترابط الأزمات… وتضخم التأثيرات
يوضح الوزير أن الضغط المتزامن على مضيق هرمز والبحر الأحمر يضاعف الأثر على الاقتصاد العالمي، إذ لا تعمل هذه الممرات بشكل منفصل، بل تشكل شبكة مترابطة. يؤدي ضعف الدول في القرن الأفريقي إلى خلق بيئة خصبة للفوضى، وهو ما ينعكس على الملاحة الدولية.
لكن هذا الطرح يتجاهل جانبًا مهمًا، إذ لا يقتصر الخلل على الدول الهشة فقط، بل يمتد إلى غياب سياسات تنموية فعالة في المنطقة ككل، بما فيها مصر. لا يكفي تحميل الدول الأخرى مسؤولية عدم الاستقرار، بينما تعاني السياسات الداخلية من قصور في معالجة الفقر، والبطالة، وتدهور الخدمات.
نفوذ إقليمي أم تغطية على الأزمات الداخلية؟
يرفض عبد العاطي وصف التحركات المصرية في القرن الأفريقي بأنها سعي للنفوذ، ويؤكد أنها تستند إلى دعم السيادة وبناء المؤسسات. يشير إلى مساعدات إنسانية في الصومال، واستثمارات في جيبوتي، وعلاقات متنامية مع إريتريا، إضافة إلى مبادرات للتكامل الاقتصادي في البحر الأحمر.
لكن هذا التوسع الخارجي يطرح تساؤلات حول الأولويات، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية حادة. تبدو هذه التحركات أحيانًا كوسيلة لصرف الانتباه عن أزمات داخلية متفاقمة، بدل معالجة جذورها. لا تعكس هذه السياسات رؤية تنموية متكاملة بقدر ما تعكس محاولة لتعزيز النفوذ السياسي دون قاعدة اقتصادية صلبة.
خطاب السيادة وحدود الواقع
يرفض الوزير الاعتراف بالكيانات الانفصالية مثل “أرض الصومال”، معتبرًا ذلك تهديدًا لاستقرار أفريقيا. يؤكد أن الحفاظ على وحدة الدول يمثل أساس النظام الإقليمي، وأن أي خرق لهذا المبدأ يفتح الباب لصراعات أوسع.
رغم وجاهة هذا الطرح، يظل الخطاب الرسمي بعيدًا عن معالجة التحديات الاجتماعية التي تواجه الدول، حيث لا يكفي الدفاع عن الحدود والسيادة دون تحسين أوضاع المواطنين. يغيب التركيز على العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ما يضعف من مصداقية هذا الخطاب.
شراكة دولية في ظل اعتماد متزايد
يشدد عبد العاطي على أهمية الدور الأمريكي في تأمين المنطقة، محذرًا من أن غياب واشنطن يفتح المجال لقوى أخرى. يرى أن التعاون يشمل الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، ودعم استقرار الدول.
يعكس هذا الطرح اعتمادًا واضحًا على الدعم الخارجي، رغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الاستقلالية. يكشف هذا التناقض عن محدودية الخيارات الاقتصادية والسياسية، حيث لا تستطيع الدولة تحقيق توازن حقيقي دون إصلاحات داخلية جادة.
بين الأمن البحري والعدالة الاجتماعية
يرسم الوزير تصورًا لمستقبل مستقر يقوم على دول قوية وممرات آمنة وتعاون إقليمي فعال. لكنه يتطلب التزامًا دوليًا طويل الأمد، يركز على التنمية وبناء المؤسسات.
في المقابل، تكشف الوقائع أن غياب الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية يظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذا الاستقرار. لا يمكن فصل الأمن البحري عن الاستقرار الداخلي، حيث تعتمد قوة الدولة في الخارج على تماسكها في الداخل.
تعكس هذه الرؤية محاولة مصرية للتموضع في قلب معادلة الأمن الإقليمي، لكنها تصطدم بواقع داخلي معقد. لا يكفي الحديث عن حماية الممرات المائية، بينما تعاني السياسات الاقتصادية من هشاشة، والسياسات الاجتماعية من قصور واضح. بدون معالجة هذه التحديات، سيظل الدور الإقليمي محدود التأثير، مهما بدا الخطاب طموحًا.

